..كلمة حان وقتها

 

والواقع أنه رغم الأزمات عرفت الهياكل الأمنية - الشرطة والحرس الوطني- تجربة لا يستهان بها رغم الإرباك في مراحل معيّنة من مسيرتها

 
 

لقد انعكس احتكار السلطة وفسادها في العهد السابق على مختلف هياكل الدولة دون استثناء. ونتيجة لذلك طرحت بعد الثورة بعض الانطباعات والانتظارات تتعلق بالمؤسسة الأمنية، منها ما هو متأثّر بأطروحات مثالية لا توجد حتى في أعرق الديمقراطيات، ومنها ما كان على خط الموضوعية فأشار الى الانجازات ونادى بضرورة القيام بما رآه من إصلاحات.
والواقع أنه رغم الأزمات عرفت الهياكل الأمنية - الشرطة والحرس الوطني- تجربة لا يستهان بها رغم الإرباك في مراحل معيّنة من مسيرتها. فقد استعادت اليوم أنفاسها وزمام المبادرة ولا يجوز التغاضي عن دورها وكفائتها. فأمن البلاد في المطلق مرتبط بوجود قدرات لحمايته ولا يمكن تحقيقه بدون هذه المؤسسات. فقد سقطت دول كبرى عندما غفلت عن مصادر قوّتها الداخلية فهاجمها المتربّصون وأوردوها الهلاك.
فالأمن الداخلي يجب أن يعلو عن الأمن الذاتي، أي أمن أصحاب القرار، لتتأكّد الحماية ويتحقق الاستمرار. ولما كانت السياسات الأمنية نتاجا خبرات سابقة فإنّ أهم ما ينبغي أن نحذّر منه هو أن لا نقع في أخطاء الماضي، وحيث أن الأمر ليس بالبساطة التي قد تبديها الكلمات، سأحاول الرجوع الى بعض الذكريات الموجعة التي عاشها سلك الحرس الوطني في هذا المجال.
إن النجاحات التي يحقّقها الآن هذا السلك على الميدان هي مجرّد تلبية طبيعية لنداء الواجب وحُسن إدارة، وهي أيضا تكريس لقيم تمّ تأسيسها من طرف القدماء، رغم محدودية الامكانيات وارتفاع وتيرة المضايقات والمناورات.
لقد أُخضع سلك الحرس في ظل حكم "بن علي" لمسؤولين سياسيين أقل ما يقال فيهم، أنهم على مقاسه من حيث الوفاء الكامل لشخصه والالتزام الكلي بتنفيذ سياسته، ولذلك تعثّرت مسيرة السلك وأّدخل في دائرة مفرغة أجبرت بعض الكفاءات على المغادرة وفُرضت على البعض الآخر مضايقات لسنين طويلة دون اعتبار لأي قيم بالرغم من دورهم الفاعل وحاجة السّلك إليهم.
لقد حُوصر الحرس الوطني ربما لأن الرئيس السابق يعلم مدى وطنية هذا "السّلك" ومجاهرة الكثير من رجاله باعتزازهم بمؤسس هيكل الحرس الوطني الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، فبعد أن كان هذا السلك مثيلا للشرطة منذ الاستقلال في مهام متكاملة داخل مواطن العمران وخارجها، تقهقر به ليجعله جزءا من منظومة تعدّ سبعة اختصاصات، خمسة ذات صبغة أمنية وواحدة للحرس الوطني وأخرى للحماية المدنية. واشتقّ من اسم "الحرس الوطني" لاحقا اسم "الحرس الديواني" – وهو تابع لوزارة المالية- لإستبعاد أي خصوصية عن سلك الحرس رغم أن هذه التسمية هي أمنية بحتة وتابعة لموروث الداخلية. وأطلق العنان لإشاعات – لم تكن بريئة- حول أهميّة تفرّغ الحرس الوطني للمهام الحدودية، واستمعنا بعد الثورة الى إعادة طرح فكرة إدماج الأسلاك في الداخلية، ولحسن الحظ ولمصلحة تونس لم تنجح هذه المناورة التي لها خلفيّة.. واكتفت السلطة السياسية بمعالجة التفاوت الهيكلي المُحدث بين الحرس والشرطة على مستوى عدد الادارات العامّة وإرجاع التوازن تقريبا كما كان.
لقد عاش هذا السلك العتيد "سنوات سراب" مضنية عرف فيها رجاله الحقيقيّون الأصيلون متاعب كبيرة على مستوى تنفيذ أوامر معيّنة، أو الاعتراض على توجّهات حتى وان كان الرأي مبني على أسباب منطقية وفنية. وللتّضليل تمّ ترشيح أقلّية من الصفوف الخلفية وفق معايير معيّنة لتعيينهم في مراكز قيادية من منطلق الولاء قبل الكفاءة وانتهوا مثله وفي ظروف شبيهة بنهايته ونهاية نظامه.
يمكن استخلاص عدة دروس من هذه التجربة أهمها في اعتقادي أن اختلال العمل في المستوى القيادي يغيّر الموازين والأخلاق ويشيع الاحساس بانعدام الثقة وفقدان القيم المشتركة وروح الجماعة.
ومن المهم لتفادي ذلك إعادة جمع ضوابط الادارة مع مقتضيات القيم على كل المستويات (إدارة المؤسسات بالقيم). فالادارة بالقيم تقوم على العلم والضمير والخلُق وتُأصّل السلوك القويم لدى القيادات والأعوان. إن قضيّة القيم قضيّة كبرى، فالوزارة أو الهيكل أو المؤسسة التي تفتقر للقيم لا مكان لها في دولة تحترم نفسها ومواطنيها.
العقيد محسن بن عيسى متقاعد من سلك الحرس الوطني

 
 

مقال نشر في :
www.ar.leaders.com.tn

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *