جدلية الحرّيات والضوابط القانونية

جدلية الحرّيات والضوابط القانونية

يبدو و أنّ الوضع المتقلّب في البلاد ساهم بشكل كبير في عزوف المواطنين عن الشأن العام، فلغة الخلاف والسجال سادت عديد المنابر و نالت من حُرمة أبرز المؤسّسات، وأصبحت المحاكم بمقتضى ذلك الفيصل الوحيد للبتّ في القضايا الخلافية والتجاوزات.

وفي ظل تراجع العقلية المؤسّساتية، يأتي تعهّد القضاء العسكري بقضية محكمة بن عروس، وحكم قاضي الأسرة برفع الحجر عن الأعداد، كمؤشّرين إيجابيين لإقرار التوازن المطلوب وتصحيح ما أمكن في المسارات.

ليس لي أن أذكّر وأن الحرية المطلقة دون ضوابط والتي سادت في المجتمعات البدائية – ما قبل الدولة – باتت غير مقبولة على الإطلاق، فالقاعدة السياسية الأولى وراء تأسيس “الدولة” كمجتمع منظّم هو تقييد الحرية المطلقة لردعها وتوجيهها عند الاقتضاء وفقا لما تقتضيه المصلحة العامة التي تعلو على مصلحة الأفراد.

لا نزال نرى الوعي بحدود العلاقة بين الحريات والضوابط الأخلاقية والقانونية غائبا عند فئة معيّنة من السياسيين والنقابيين، ولكن لازلنا في المقابل نسجل مواقف محترمة للقيم التنظيمية والمراعية لمقتضيات الأمن والصالح العام.

هناك شبه إجماع على أنّ النقابات هي قلب المجتمع المدني وبدونها أو بتعطيلها يفقد هذا المجتمع اعتباره، ولكن حال الوضع النقابي واستقلال النقابات كما تشهده الساحة الوطنية لا يدفع للتفاؤل. فمن الضروري العودة الى سياسة المراجعة التي هجرناها لكي تعيد هذه الكيانات انتسابها للمجتمع المدني وتحتلّ مكانها الطبيعي في صدارة العمل المجتمعي.

إن إطلاق الدولة للعمل النقابي والحرية النقابية تحكمه التزامات لعل أبرزها تنزيل هذا العمل في خانة العلاقات الاجتماعية الاقتصادية و الالتزام بالدفاع على المصالح المهنية. واعتبارا لما لهذه الأنشطة من بعد سياسي، فانه لا يمكن في المطلق أن تكون الالتزامات تجاه الدولة شكلية بل من الضروري أن يكون لها انعكاس فعلي على الممارسات اليومية.

 

ولما كانت الدولة هي الراعية بشكل مباشر للمنظومة الاجتماعية، والمحدّدة للعلاقات و المشرفة  على سير التفاوض و المصادقة على النتائج، فانه من غير المنطقي أن تتجاوز بعض التنظيمات النقابية “الدولة”  التي تبقى مرجعيتها التي تستند إليها لتحقيق مطالبها. والعمل النقابي وإن يبقى من أهم تنظيمات الضغط في المجتمعات الحديثة فانه لا يتعارض مع المصلحة العامة المتمثلة في دوام وانتظام الخدمة التي يؤديها المرفق العام. ومهما توسّعت دائرة القطاعات التي يشملها داخل المجتمع فان ممارسة الحرية النقابية لا تقوم  إلا على احترام القانون  والتقيد به.

وإن تبدو العلاقة بين الدولة والنقابات موحّدة فإنها تأخذ في الواقع أشكالا متعدّدة بحكم اختلاف النقابات حول الدور المنوط بعهدتها، و تباين مواقفها من السلطة. وطبيعي أن تُسْتَتبع لغة التصعيد التي تشنّج الأجواء بإجراءات و تدابير حازمة من طرف الدولة، مع تفعيل القانون وملاحقة من يعملون على الإخلال بالنظام الاجتماعي القائم أوتهديد المؤسسات.

إن الأمن والنظام العام هو وظيفة الدولة بدون منازع، وهو أمر ضروري لضمان تماسك النسيج الاجتماعي. و بناء على ذلك، فإن العلاقة بين “الأمن والنظام العام” من جهة و “الحقوق الأساسية” من جهة أخرى ، تشير تقليديًا إلى نموذج “السلطة / الحرية” ،  فكلما كان الأمن والاستقرار قائمين كان نطاق السلطة هو الاستثناء والحرية هي القاعدة. وكلما احتاجت الدولة لرفع مستوى الأمان إلى “حق أساسي” ، يُعكس هذا النموذج وتصبح السلطة  هي القاعدة والحرية  هي الاستثناء.

لقد أثبتت قصة تطور المجتمعات أنه لا يمكن لأي منظمة بل لأي دولة أن تنهض في غياب المواطن الواعي المتفهم لدوره والمصمّم على الاسهام في تغيير المجتمع بالعلم والعمل، ذلك أنه لا يمكن لأي دولة أن تحافظ على مسيرتها و توفير سياج الحماية لها دون بناء شخصية السياسي والنقابي المسؤول والمؤمن بواجباته والمواكب لواقع بلده والمتفاعل معه.

قمّة الحرية أن تقول ” لا ” في الوقت الذي تكون فيه كلمة ” لا ” ضرورية ومصيرية لا لمجرّد العناد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *