بورقيبة بين الذاكرة والتاريخ

بورقيبة بين الذاكرة والتاريخ

  يعترف الكثير من التونسيين بالدور المحوري للزعيم في رفع راية النضال الوطني، ويدركون لذلك قيمته ويعرفون مكانته ويحفظون قَدره، وبورقيبة في نظرهم وفي الذاكرة هو الأب الروحي للجمهورية الأولى ومؤسّس الدولة الحديثة. وطبيعي أن لا يعني هذا الاعتراف الاجماع و الموافقة على كل ما حدث في عهده وكل ما أتّخذ من سياسات واجتهادات. ولكن الانصاف يتطلّب ردّ الفضل لأهله مع كل ما لهم من أخطاء. وهل من العظماء والزعماء من هو بلا نقائص و لا مؤاخذات ؟

أريد أن أتذكّر

 كسب بورقيبة الرهان في بناء أركان وأجهزة الدولة التونسية المستقلة، حيث أسّس الجهاد الوطني علاقة متينة بينه وبين الطبقة السياسية، علاقة اتسمت بالإجلال والاحترام لشخصه والتقدير لرجال حمّلهم المسؤولية  لعلوّ أخلاقهم وسموّ صفاتهم. و تجلّت براعته السياسية في الاتصال المباشر بالشعب لترسيخ ثقافة نضالية تقوم على تكريس الفكرة الوطنية وحب التضحية من أجل الوطن، هذا الوطن التونسي الذي يتمتّع بالشخصية منذ آلاف السنين – وكما يؤكّد الزعيم- منذ الدولة القرطاجنية.

   لقد حدّد بورقيبة مقوّمات النصر في بناء قوّة نضالية تتكامل وتتفاعل مع القوة السياسية، فالنضال الوطني هو قيمة إنسانية واجتماعية عليا، زالت بزوالها عديد الدول وانتكست المجتمعات وسادت المظالم فيها لعدم الوفاء بها.

   لقد عرف الشعب معه تعميم التعليم و بناء المنظومة الصحية، وتشكيل قطاع الوظيفة العمومية وتنظيم عديد القطاعات الحيوية للدولة التونسية. وعلى رأي أحد رجال تلك المرحلة، عرفت البلاد بوادر إنتاج قيم الديمقراطية لعلّ أبرزها ” ديمقراطية التعليم والصحة والوظيف..”. لقد قدّمت قيادة تلك المرحلة أقصى ما لديها من الامكانيات الفكرية والسياسية، ولم تدّخر شيئا فيه مصلحة لبناء الدولة.

  لا يمكن  فهم وتقدير انجازات بورقيبة ونظامه حقّ قدرها دون الرجوع إلى ما كُتب عن تونس في أدب الرحلة ومن أبرزها كتاب “وصف إيالة تونس” لأرنست بيليسي دي راينو سنة سنة 1853، وما تناولته دراسات المستعمر  وفي مقدمتها المؤلف المرجعي لجان ديسبوا   “الساحل والسباسب السفلى”  سنة  1955.

   ولكن للأسف فقدنا الذاكرة طيلة أكثر من عقدين حاول فيها النظام السابق صقل نوع خاص من التاريخ السياسي- الظرفي. وتعيش البلاد الآن عودة لرموزها وكأن الشعب يحاول الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.

البحث عن التاريخ

  أقدّر اجتهادات المؤرخين في العودة إلى هذا التاريخ وفق منهجيات علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا وتقنياتها. وأنظر بعين الرّيبة إلى المحاولات التي تسعى لمراجعته وفق خلفيات سياسية وفرضيات أيديولوجية. وأعتقد أن ما يجري لا يعدو أن يكون مجرد اختلاف وجهات نظر بين شريحة سياسية صغيرة وشريحة واسعة هي الشعب التونسي. والمشكل القائم ليس في طبيعة الخلاف ولكن في طريقة التعاطي معه.

  أفهم أن الصراعات التي تشهدها الساحة الوطنية هي صراعات فكرية وسياسية  وهي نتيجة طبيعية للاختلاف في المصالح والمنافع والأوضاع، ولكن كلّما احتدم الجدل أشعر بشيء من التواطئ الجماعي المخيف، وأجد نفسي متسائلا عن حقيقة ما يجري ولمصلحة من هذه الفوضى.

  أتمنى أن لا يأخذنا الجدل القائم حول التاريخ إلى مزيد من الانقسامات التي لا طائل للبلاد من ورائها. لقد أمضت إحدى الدول العربية 170 سنة من الصراعات الداخلية جعلها عاجزة إلى الآن عن كتابة تاريخ موحّد لها. لقد بلغت الخلافات حدّا ألغيت بمقتضاه مادة التاريخ في المدارس الرسمية لديها وتركت هذه المادة الى المدارس الخاصة  التي تعتمد في تدريسها على ما ورد في الكتب الأجنبية.

  في ضوء هذه الاعتبارات وغيرها، يرى بعض المؤرخين أنّ السياسة تشوّه التاريخ، وكثيرا ما استخدمت الدراسات السياسية في التاريخ كوسيلة لأغراض وأهداف بعيدة عن هذا التخصّص، إذ أن الجهة الباحثة غالبا ما تسعى لاستخدام العامل السياسي ليتطابق مع وجهة نظرها.

   وأمام تضارب الولاءات وتعدّد القوى السياسية والحزبية المتصارعة في المجتمعات، أكد المؤرخون على وجوب دراسة التاريخ لذاته وليس لغرض نفعي آخر، معتبرين  أن واجب أي مؤرخ هو الالتزام بمعيارين إثنين: النزاهة والأمانة العلمية من جهة والهم المدني المتمثل بتجنب إثارة الأحقاد وتشجيع التلاقي  من جهة اخرى”.

   هناك جدلية بين التاريخ والذاكرة في استعادتهما للماضي. فالذاكرة هي تمثّلات انفعالية وانطباعية وأسطورية وانتقائية، محكومة برهانات وسياقات سياسية وأيديولوجية، في حين أنّ التاريخ إعادة بناء عقلانية وعلمية ونقدية للماضي.

   كيف تفعل السياسة بنا هذا الفعل لنختلف حول تاريخنا ونحن نعلم أن البناء الحضاري شبه متوقّف لدينا، وأنّ التحدّي الذي نواجهه الآن هو لمّ الشمل الوطني وترسيخ قيم الحوار العقلاني والأخلاقي كأسلوب حياة ومنهج عمل وسبيل لحل قضايانا.

   تبدو الحاجة ملحة لتجاوز الجدل القائم والنظر بموضوعية إلى الحقائق التاريخية ومعالجتها بروح علمية وحس وطني الهدف منه تعزيز العيش المشترك بين جميع المواطنين من منظار مستقبل واحد لوطن واحد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *